
تعجز عن مقاومة سحر بعض المدن... يقع الناس غالباً في حب باريس ما إن يغادروا المطار بسيارة أجرة، لكن ثمة مدن لا تكشف عن جمالها بسرعة، ولعل أبرزها كييف. تجولت في شوارع هذه العاصمة الأوكرانية يومياً طوال سنة. فرأيت النسور البيضاء الذيل في جزيرة واسعة رطبة وسط نهر الدنيبر. أصغيت إلى أناشيد آسرة فيما راحت راهبات محتجبات عن النظر يملأن الكنيسة المقببة بأصواتهن العذبة. ووقفت مذهولاً أمام حشود النساء الطويلات القامة اللواتي يسرن بثقة على الممرات المتجلدة، وهن يرتدين الكعوب العالية الرفيعة، فيما عانيت أنا من ارتجاج بسيط في المخ عندما ذلت قدمي وسقطت في زقاق أرضه متجمدة.
مررت قرب معالم تخلّد ذكرى ملايين جرائم القتل. تفاوضت مع رجل من سمرقند بشأن كيس من الكركم. أضعت طريقي في سراديب تضيئها الشموع. شعرت بلسعة رياح الشتاء التي تلعب على جروف المدينة المرتفعة. استمتعت بمنظر الشفق وهو يلف قبب الكنائس الذهبية. كذلك تحدثت إلى العبقري الذي ابتكر أغرب متحف في المدينة.
تعرفت إلى المطاحن الخشبية، شعراء سيارات الأجرة، الأيقونات المطعمة بالذهب، الرهبان بأرديتهم الطويلة، مغني البلوز، والرحلات النهرية غير المكلفة، فضلاً عن بعض أوجه شخصيتي. لعل الأمر الوحيد الذي لم أختبره في كييف هو الممل. لا تحظى هذه العاصمة بالتقدير الذي تستحقه، إلا أنها مليئة بالمفاجآت. فنهاراً، يسترعي انتباهك مزيج من أصوات تدعى raspberry bells تتهادى إلى مسمعك خارجةً من الكنائس في العطل الدينية. أما ليلاً، فتتفاجأ بدوي ألعاب نارية يضيء بها الأوكرانيون سماء مدينتهم خلال أربع أو خمس ليال شهرياً.
كييف مدينة قديمة. إنها أحد مهود الحضارة الروسية، حتى أن الروس يدعونها أم المدن. تقول الأسطورة إن ثلاثة إخوة من الفايكينغ في عام 560 بعد الميلاد جذّفوا بمركبهم على طول نهر الدنيبر، فيما أمسكت أختهم بالدفة. فاختارت هذه الأخت المكان الذي سيقيمون فيه وأطلقت عليه اسم الشقيق الأكبر كيي. يبدو أنها كانت تدير دفة حياتهم أيضاً.
مع أن كييف تنتشر على ضفتي نهر الدنيبر، أمضيت القسم الأكبر من وقتي في التجوال في أقسامها القديمة، التي تتوزع على طول تلال الضفة الغربية. تزيّن قبب الكنائس والأديرة الذهبية وأبراج الأجراس المشهد فوق النهر، فتخال أن عملاقاً أوقع هناك بعضاً من زينة الميلاد. ما زال وسط كييف مكاناً حميماً جداً، على رغم أنه يتوسط مدينة كبرى تعد 2.7 مليون نسمة. لا يضم قلب هذه المدينة أبنية شاهقة كثيرة. لكن تكثر فيه شوارع غريبة وأبنية سكنية خارجة عن المألوف بمنحوتاتها المميزة. فترى أسوداً هنا وآلهة هناك، فضلاً عن تيجان الغار فوق النوافذ. وهذا وحيد قرن إسمنتي يطل برأسه من أحد المباني... كذلك يمتاز بعض أجزاء المدينة بواجهاته المغطاة بطبقة من بلاط السيراميك. علاوة على ذلك، إذا تجاهلت الهندسة السوفياتية المملة التي أفسدت عدداً من مناطق المدينة، فستمتع ناظريك ببعض الروائع الحقيقية، روائع لا تخلو من الحزن.
ولادات
أينما تطلعت ترى حكايات عن مآسٍ وولادات جديدة. هذا ما تؤكده كنائس كييف. فقرب شقتنا ترى بقايا كنيسة دمرها الغزاة في القرن الثالث عشر. وعلى بعد أمتار قليلة منها، على رأس التلة نفسها، يقع دير القديس ميخائيل بقببه الذهبية، هذا الدير الذي يضم أجراسي المفضلة. ظلت هذه الكنيسة القديمة صامدة طوال أكثر من 900 سنة. لكن الشيوعيين فجروها في ثلاثينات القرن الماضي. فشُيّد مكانها حديثاً مبنى الدير الأزرق الجميل.
تضم الشوارع المجاورة واجهات مزينة تعود إلى ما قبل الحقبة السوفياتية، فضلاً عن بعض الأمثلة على الضخامة الستالينية. وتصادف خلال تجوالك تماثيل عدة منحوتة بدقة، يمجد بعضها إنجازات أصحابه ويبرز بعضها الآخر تواضع مَن يمثله. من السهل ألا تتنبه لها لأن معظمها يبرز من جوانب أبنية سكنية قديمة ترتفع فوق مستوى البصر. والمثير للاهتمام أن كلاً من هذه التماثيل يعكس صورة رسام أو مهندس زراعي أو كاتب أو مدرّس باليه لامع كان يقطن المبنى الذي تزينه المنحوتة التذكارية.
فيما تتنقل في الجوار، تفكر في عالم فيزياء مسن تذل قدمه عند المنعطف المتجمد هنا وفي ممثلة جميلة تحفظ بضعة أسطر من Uncle Vanya على مقعد المنتزه هناك.
منحوتة حجرية صغيرة تتخذ شكل امرأة ترتدي ثوباً، لعلها ملاك، يتوسطها شكل طفل صغير، تخلّد هذه المنحوتة ذكرى المجاعة الكبرى عام 1932-1933. بخلاف غالبية المجاعات التي شهدها التاريخ، كانت هذه مفتعلة، والمذنب فيها كان ستالين الذي طلب تصدير كميات ضخمة جداً من الحبوب. وفي محاولة لتلبية طلبه، أبقى القادة المحليون مؤن الحبوب في المخازن فيما جاع الأوكرانيون. يتراوح عدد الوفيات المقدرة بين 2.5 مليون نسمة و10 ملايين تقريباً. وقد تجاهلها معظم البلدان الغربية.
عانى الأولاد الأمرّين. ونجى بعض الأوكرانيين بعدما تناولوا الجثث. عندما وقفتُ أمام هذا النصب التذكاري وراحت الرياح تداعب وجهي، شعرت بمدى ضآلة الإنسان وحاولت استيعاب هول هذه الفاجعة.
مجاعة
بلغت المجاعة ذروتها في القرى، لا هنا في كييف. وفيما كنت أسير في شوارع هذه المدينة القديمة الجميلة، رحت أتأمل الناس الذين عانى معظم عائلاتهم من المجاعة. فأُعجبت بمدى صلابة الروح الأوكرانية وسحرها.
لا يحظى الأوكرانيون بكثير من احترام الغرب، على رغم أن بلدهم الأكبر في أوروبا، إذا استثنينا الجزء الأوروبي من روسيا. شكّلت أوكرانيا جزءاً من الإمبراطورية الروسية، ثم جمهورية داخل الاتحاد السوفياتي، لتنال استقلالها عام 1991. وبعد تظاهرات الثورة البرتقالية السلمية عام 2004، استلمت زمام السلطة حكومة موالية للغرب.
تمتد مجموعة رائعة من المنتزهات على طول التلال المحاذية للنهر. وفي هذه المنتزهات حظيت بأفضل نزهة في المدينة وصلت في نهايتها إلى دير المغاور في كييف Kiev-Pechersk Lavra بأسواره العالية. كان هذا الدير في الماضي أحد أبرز مراكز الديانة المسيحية الأرثوذكسية وكان يأوي ألف راهب. لكن في عام 1930، استولت عليه الحكومة السوفياتية. إلا أن الأنشطة الدينية استؤنفت فيه بمرور الوقت. أما اليوم، فتحول بعض أبنيته إلى متاحف علمانية ثقافية، فيما بقي البعض الآخر جزءاً من مجمّع ديني تديره الكنيسة الأرثوذكسية.
متاهات
تحت عدد من الكنائس تقع متاهات تتألف من مجموعة من الأنفاق استخدمها النسّاك في زمن مضى وصارت اليوم المثوى الأخير لقديسيين كثيرين. في هذه الأنفاق الحجرية التي تمتد على طول 608 أمتار، نُحتت كنائس صغيرة جميلة مليئة بأيقونات ذهبية لامعة. بعض أجزاء هذه المغاور مفتوح للعموم. لا شك في أن السير داخل هذه الممرات الضيقة المعتمة وأنت تحمل شمعة تجربة غريبة ومؤثرة. فضلاً عن السياح، يقصد هذا المكان المتعبدون للسجود والصلاة قرب أضرحة صغيرة أغطيتها من زجاج.
يضم جزء من هذا الدير معارض دنيوية، من معارض الزخارف الذهبية التي صاغها السكوثيون الغامضون (شعب حكم في الماضي السهل الأوكراني) إلى متحف Micro-Miniatures الغريب والمميز.
يُعتبر متحف Micro-Miniatures من بنات أفكار رجل واحد، ميكولا سيادريستي، قرر صنع معروضات صغيرة جداً لا يمكن الاستمتاع بها إلا عند النظر إليها عبر المجهر. لعل أفضلها في نظري شعرة إنسان فُرّغت من محتواها وصُقلت حتى باتت شفافة. وفي هذا الأنبوب الصغير أدخل سيادريستي زهرة بالغة الصغر.
مع ذلك، ما زلت ترى في الشوارع عدداً كبيراً من سيارات جديدة تمرّ مسرعة قرب سيارات اللادا الروسية الصنع كثيرة الضجيج. وعلى الأرصفة، تسير الأوكرانيات وهن ينتعلن أحذية لماعة وسترات جلدية زيَّن الفرو أطرافها. وفي ضواحي المدينة، بدأت المنازل الضخمة الفاخرة تغزو الحقول الرطبة. لذلك، تخال أن أوكرانيا واثقة من أن حظها العاثر سيوصلها إلى نهاية سعيدة
يتجلى هذا الواقع بوضوح فيما تسير جنوباً مخلفاً الدير الكبير وراءك. فترى المدينة مترامية على كلا الجانبين ومعلماً واحداً يهيمن عليها، وهو على الأرجح أكثر معالم كييف مأساوية: رودينا مات، أم الوطن. يقف هذا التمثال الطويل، لا بل العملاق، منتصباً وهو يحمل سيفاً وزنه 53 طناً.
يرتفع هذا التمثال فوق متحف مخصص للجبهة الشرقية خلال الحرب العالمية الثانية. والقصة التي يرويها هذا المتحف أقل ما يُقال عنها إنها قاتمة. أثناء تجولي في أرجائه، تساءلت لماذا لم أطلع على هذه التفاصيل سابقاً؟
على رغم هذه الأحزان والمآسي كافة، تبقى كييف بلد الروعة والجمال. فإذا استدرت واتجهت نزولاً في شارع سان أندرو، مجتازاً كنيسة سان أندرو الشبيهة بقالب حلوى والمقاهي الصغيرة الموزعة على هذا المنحدر، تخال أنك عدت بالزمن إلى الوراء نحو مئة سنة، إلى زمن كان فيه الروائي العظيم، ميخائيل بولغاكوف (The Master and Margarita المعلم ومارغريتا) حياً ويعمل في منزل صغير إلى اليمين.

أشعر أن قلب كييف ينبض بقوة حين أنظر إلى قبب كاتدرائية سانت صوفيا الخضراء والذهبية. فقد نجا هذا البناء بأعجوبة من هجوم باتو خان والقبيل الذهبي في القرن الثالث عشر. فعلى بعد بضعة أبنية، أحرق خان، حفيد جنكيز خان، كنيسة أقدم متحجزاً داخلها نحو 3 آلاف من سكان كييف. كذلك تخطت كنيسة سانت صوفيا حقبة القياصرة، الثورة البلشفية، وهتلر. ونجت أيضاً من ميل ستالين إلى تفجير الكنائس، محولاً إياها إلى حطام.
يروي أهل كييف أسطورة عن أن رنين أجراس كنائس المدينة قد يحوك درعاً حولها يحميها. وعندما نظرت إليها نظرة سائح أجنبي، أخذت قرون الإيمان هنا في الاعتبار وفكرت في درع تحتوي على صواريخ وأجهزة ليزر. وخطر على بالي أن ما سأفتقده حقاً حين أغادر المدينة هي الأجراس.
| < السابق | التالي > |
|---|






